هل يصيبك الرعب قبل الامتحانات الدراسية؟ هل يشلّ تفكيرك، ويعيقك حتى عن التحصيل الدراسي؟ هل يسيطر عليك وقت الامتحان نفسه، ويحرمك من فرص الأداء الجيد؟ إذا كنت كذلك، فأهلا بك في عالم المشاعر ببحره اللجي. في هذه المدونة، نقدم لك بعض الإضاءات التي نرجو أن تجعل إبحارك أسهل. لكن أولاً، أصنع كوبًا من مشروبك المفضل، وخذ نفسًا عميقًا، واسمح لي أن أرافقك من خلال هذه الأسطر.
المشاعر هي سلاح لك، فلا تستخدمه ضد نفسك!
إن الله ﷻ سلّحنا بكل ما يفيدنا لخوض غمار هذه الحياة بفاعلية، وانغماس تام. من ضمن أسلحتك الفتاكة، هو سلاح مشاعرك. تخيل أن تفقد قدرتك على الغضب مثلا! ستكون فريسة سهلة لكل من حولك ينتهكون حقوقك، ويستولون على أي شيء تملكه دون حتى أن يرمش لك جفن! تخيل إذا فقدت قدرتك على الشعور بالذنب، كيف ستصحح أخطاءك، وتعتذر لمن أسأت إليه؟ كل شعور له وظيفة مهمة جدًا لا تستقيم حياتك دونه. الذكاء هو أن تستخدم كل شعور لمصلحتك فقط، ولا تسمح له أن يختطف حياتك.
بما أننا نتحدث اليوم عن الخوف، فلنستفيض أكثر مع هذا الشعور. حياتك دون خوف تعني التهور على الصعيد البدني، والوجداني. بلا خوف، يُقدم الإنسان على كل ما يضرّه بلا خوف من مرض، أو ألم، أو حتى موت. بلا خوف، لن يراعي المرء مشاعر حبيب لأنه لا يخاف أن يفقده، ولن ينصح عزيز لأنه لا يخاف عليه، ولا يعبأ بمستقبله! دون خوف، قد يهاجم المرء آخرين قولاً، أو فعلاً لا يخشى عقوبة، ولا يعبأ لعواقب. دون هذا الخوف، قد لا تذاكر أنت للامتحان أصلاً، لأنك لا تقلق بشأن مستقبلك، ولا تخاف من الفشل. حياتك بلا خوف لا تستقيم.
الخوف مُبرمج بداخلك كي يحميك من نفسك، ومن الآخرين. وظيفته الوحيدة هي أن يمنعك من التهور، وأن يجعلك تأخذ المبادرات بحذر، وأن تتقدم بهدوء نحو المخاطرات المحسوبة. هو يدفعك للاستعداد للمستقبل، وعمل خطط تقرّبك قدر الإمكان من النجاح، وتبعدك قدر الإمكان عن الخسائر. المشكلة تبدأ عندما تجعل من هذا الخوف ندًا لك بدلاً من أن تجعله أداة في يدك.
الكارثة تحدث عندما تنصاع له، وتسلّم له إرادتك فيمنعك من أداء أدوارك، وينغّص عليك حياتك، ويُفسد عليك استمتاعك بما يهم فيها. فهل أنت مستعد لأن تسمح له بذلك؟ أم أنت جاهز كي تجعله أداة من أدواتك؟
مقعد القيادة، وإدارة المشاعر
بما أنك أكملت القراءة، يبدو أنك تود أن تكون أنت في مقعد القيادة، وأنك قررت ألا تسمح للخوف، أو أي شعور آخر أن يجلس هو في مقعد القيادة بينما تقبع أنت في المقعد الخلفي مذعورًا متفرجًا تأمل فقط ألا ترتطم سيارتك بشكلِ مروّع. هل بدأت في التوتر مجددًا متخيلاً تلك الصورة الذهنية المزعجة؟ لا بأس، عُد إلى مشروبك المفضل، وتنفس بعمق مجددًا، ودعنا نكمل.
المشاعر تحركها القناعات. لذلك تجد في التوجيه الإلهي في كثير من الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن إدارة المشاعر، تقترن المشاعر بقناعات تضبطها. تأمل معي الآيات الكريمة التالية:
فعندما يوجه الله ﷻ أم موسى عليه السلام ألا تخاف، وألا تحزن، يوحي لها بالقناعات التي ستساعدها على إدارة تلك المشاعر. فهي تخاف على ولدها، وتخاف ألا تراه، وألا تضمه مرة أخرى. فتأتي البُشرى المُطمئنة “إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ“. ومع ” لَا تَحْزَنْ” في غربة الغار، جاءت قناعة مُطمئنة “إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا“، وكانت كافية لتنزل السكينة من الله ﷻ في هذا الموقف الجلل. ومع السحرة في ذاك الموقف العصيب، والذي كان يمكن أن ترتعد فرائسهم من الرعب من تهديدات الطاغية، كانت لديهم قناعات راسخة “إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ. إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا“. فكانت تلك القناعات مطمئنة لهم لدرجة أنهم بدلاً من الهلع، والرعب في موقف يستحق، قالوا “لَا ضَيْرَ“! وعندما جاء الرسل سيدنا لوط برسالة اطمئنان كي لا يخاف، ولا يحزن، كانت القناعة “إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ“. القناعات هي السلاح القوي الأول لإدارة المشاعر.
الآن نأتي إليك. أي يمٍ تستعد لتلقي فيه أغلى ما تملك؟ وأي غارٍ تجلس فيه وحيدًا بعيدًا عن كل دعم؟ وأي فرعون يتوعدك؟ وأي بلاءٍ كبلاء لوط تأن تحت وطأته؟! أول ما أقول لك فيما يتعلق بالامتحانات، هو أن تضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن تعطيها حجمها المناسب في خضم كل ما يمكن أن يكون مهمًا في حياتك. الآن، نحتاج أن نعمل سويًا على ضبط بعض القناعات التي من شأنها إن شاء الله مساعدتك على ضبط الخوف من الامتحانات.
الشجرة، والغابة
قبل أن نتحدث عن آليات إدارة الخوف، أود أن أشارك معك مقولة عميقة. هناك مقولة شهيرة تقول “أحرص ألا تخطيء عيناك الغابة الكبيرة بتركيزك على شجرة واحدة”.
Don’t miss the forest for the tree!
يعني هذا أنك في جهودك للعناية بشجرة واحدة، أو لانشغالك بها، أنت تفقد البوصلة، والرؤية المتكاملة للغابة بأكملها. فإذا أوليت اهتمامك لفهم الغابة، وجميع الفرص المتاحة فيها، سهل عليك العناية بشجرة واحدة. إن انشغالك بالخوف من الامتحانات، هو عرض لمشكلة أكبر، وهي أنك لا تذاكر للهدف الصحيح. وأنك وقعت، مثل أغلبية الناس، في فخ فعل كل شيء في حياتك وفقًا لما أملاه عليك المجتمع لا وفقًا لما تود أنت فعله. فأنت تذاكر لتنجح، لا لتتعلم، وتنمو، وتصبح خبيرًا في مجالٍ ما! نقطة الانطلاق هذه تغيّر نمط دراستك بالكامل.
قد يبدأ الأمر حتى من أول اختيارك لمجال التخصص. فقد تختار مجال التخصص الذي يسهل الدخول إليه، أو الذي يحظى باحترام الناس في مجتمعك، أو لأنه في جامعة مرموقة، أو لأنه في جامعة قريبة من مكان سكنك، أو لأنه يدر مالاً أكثر… أو لأي سبب إلا أن يكون لأنه هو المجال الذي تحبه، ويمكن أن تُبدع فيه، وتضيف جديدًا!
ثم بعد أن تلتحق به، تبدأ في النظر إلى الهدف المُعد لك مُسبقًا… النجاح، وليس التعلم.
بالتالي أنت لا تقضى أوقاتك طوال العام الدراسي تبحث في المصادر، والمراجع بشغف لتتعلم… أنت لا تقض مضجعك تساؤلات تثير فضولك في مجال تخصصك، وتدفعك للنهوض من نومك لتبحث عن إجابة تروي بها هذا الفضول… أنت لا تبحث عن إضافات يمكن أن تضيفها في هذا المجال… وبالتأكيد أنت لا تستمتع بأي وقت تقضيه في الدراسة. بل على العكس… تؤجل المهام الدراسية حتى آخر لحظة، وتقوم بالتسويف قدر المُستطاع… وتتعامل بأكبر قدر من التوتر مع المذاكرة… وتسعى لحشو المعلومات قدر المُستطاع، ثم يتعاظم كل هذا في شكل شبح مخيف قبل الامتحانات بأيام… ثم تشعر بارتياح نسبي بعد الامتحانات، وربما تتخلص من كتبك أو تمزقها كما يفعل البعض لانتهاء مهمتها الوحيدة: اجتياز الاختبار، وليس التعلم، والتمير في مجال ما.
والأسوأ من ذلك كله، أنك تفعل كل هذا لا لهدف كبير تسعى لتحقيقه في حياتك، بل لتهرع لتنفيذ بقية الخطة المُعدة لك مُسبقًا، فتصبح طبيبًا، أو مهندسًا، أو معلمًا… تدخل كل هذه المجالات بهدف الوظيفة، وكسب العيش، وربما النجاح لا بهدف تحقيق شيء مهم في الحياة! تخيل إذا ذاكرت للتعلم؟ تخيل إذا أحببت مجالك، وأردت أن تُبدع فيه! تخيل لو تعاملت بفضول المُحِب مع موادك الدراسية طوال العام الدراسي، وحتى في العطلات! تخيل لو فعلت كل هذا من أجل هدف، وغاية حياتية أكبر من كل هذه القطع الصغيرة.. كأن تريد بقوة أن تُسهم في البحث العلمي في بلدك، أو النهضة العمرانية لمدينتك، أو أن تكتشف علاجًا لمرضٍ ما، أو أن تُسهم في حل مشكلة مجتمعية تزعج الناس… تخيل لو أن لك هدفًا، ورسالة اخترت على أساسها التخصص، وعكفت على تطوير نفسك فيها لدرجة أن المقررات الجامعية لم تعد كافية لك، فذهبت تبحث خارجها عن المزيد… تخيل معي كل هذا! هل تعتقد أنك وقتها كنت ستخاف من الامتحانات؟! أنا لا أعتقد ذلك.. على الأقل ليس بهذا القدر الذي يرعبك اليوم! بل ستعيش حياة مفعمة بالمعنى، والجاهزية.
إذا وجدت هذه الفقرة تستميلك، أدعوك لقراءة مدونة “لا تنس أن تعيش“، فهي تُلقي بضوء أكبر على الغابة الكُبرى، وتتناول موضوع تحديد أهداف الحياة. الآن نعود إلى شجرتك التي هي محل اهتمامك اليوم.
قناعة أساسية يجب ضبطها، وإجراءات واضحة
فيما يتعلق بالخوف بشكل عام، هناك قناعة أساسية تثير هذا الشعور، وهي قناعة وجود خطر، أو تهديد مُستقبلي. أي أن الخوف دائمًا مرتبط بالمستقبل (بينما الحزن مثلاً، يرتبط دومًا بالماضي). أي أن الخوف تشعر به الآن عندما تقلق من احتمالية حدوث شيء ما تعتبره تهديدًا لك في المستقبل.
الخوف إذًا هو وسيلة الإنسان للتعبير عن حبه للتحكم في ظروفه، وعدم استعداده لخروج أي شيء خارج السيطرة. فهو يقلق من فقد العمل لأن هذا يعني أنه سيفقد القدرة على تغطية نفقاته، وسيقل “تحكمه” في حياته، ويكتنف مستقبلَه الغموضُ بدلاً من وضوح التوقعات. وهو يقلق من المرض لأنه يعني فقدان السيطرة على جسده، وفقدانه السيطرة بالتالي على حياته، وخروج أمور كثيرة عن نطاق تحكمه.
فإذا رفع الإنسان من درجة استعداده، وجاهزيته لاستعادة السيطرة بسرعة، تضاءل شعور الخوف جدًا. مثلا، ذلك الشخص الذي يمكن أن يفقد عمله (خطر مستقبلي)، إذا ادخر مبلغًا كبيرًا من المال يغطي نفقاته لمدة عام على سبيل المثال، لن يشعر بالخوف من فقد الوظيفة لقناعته بأنه لن يفقد السيطرة على حياته، وأن لديه ما يكفيه لمدة عام.
الأمر باختصار إذًا يعتمد على تحديد الخطر المُستقبلي، ورفع الجاهزية تجاهه. فما هو الخطر المستقبلي الذي تخشى حدوثه الآن، وأنت على مشارف الامتحان؟ الرسوب؟ الدرجات السيئة؟ ليس كل الناس تخاف من ذلك لنفس السبب. هناك من يخاف من الرسوب، أو من الدرجات السيئة لأن هذا يعني إعادة العام الدراسي. وهناك من يخاف من ذلك لأنه يعني استهزاء البعض به (فهو يخاف من نظرة المجتمع) … أو لأنه يريد أن يُثبت نفسه لسبب ما أمام عائلته، وأصدقائه، والرسوب سوف يمنعه من ذلك، بل وسيعزز صورة سلبية عنه… أو لأنه يريد أن يتخرج، ويعمل لمساعدة الأهل أو لتكوين نفسه ماديًا، ولا يريد أي تعطيل لذلك. تخيل أن تكون مدفوعًا بأي من هذا، أو بكلٍ من هذا بدلاً من أن تكون مدفوعًا بحب العلم، وبشغف الاقتراب من الجاهزية لتحقيق هدفك الأكبر، وغايتك التي استخلفك الله ﷻ على الأرض لتنفيذها! لقد عدت مرة أخرى للحديث عن الأهداف لأنك إذا استطعت أن تعيد النظر في هدفك من التعلّم، سيأتي كل ما تريده إن شاء الله كنتائج، لا كأهداف. فإذا كان هدفك هو العلم، وغاية كبرى تسعى لتحقيقها بهذا العلم، ستأتي الوظيفة، ويأتي احترام المجتمع، والكسب المالي كنتائج لا كأهداف. وستكون بذلك محققًا لدرجات عالية من السلام النفسي إن شاء الله.
ماذا لو كنت لا تحب مجال تخصصك أصلاً؟
لا يوجد مجال تخصص لا يفيد إنسان ما بالعمل فيه. فإذا لم يكن مجال تخصصك من اختيارك بإرادتك الحرة، فكر في تغيير وجهة نظرك عنه. فكر في الطرف الأخير المستفيد من عملك. فإذا كنت ستعمل في رصف، أو بناء الطرق مثلاً، لا تفكر في الأحجار، ومواد البناء. فكر فيمن سيعبر الطريق، وتكون أنت سببًا في جعل حياته آمنة، وسلسة. وإذا كنت ستعمل في مجال بيع الأجهزة الطبية، لا تفكر في المبيعات، وضغط العمل، والملل الذي يمكن أن يصيبك بسببه. بل فكر في كل من سيستفيد من هذه الأجهزة الطبية، وكيف ستساعد المرضى. هنا ستتشكل غاية جديدة لك، ربما لم تكن موجودة من قبل، وتستطيع أن تنضم لقافلة المعنى، والغايات الكُبرى، وتعيش حياة طيبة ينضبط فيها الخوف، ويتقلص دوره لنفعك فقط لا للسيطرة عليك.
التعامل مع الخوف من الامتحانات
الآن يمكن أن أضع لك بعض الخطوات العملية بناءً على كل ما تقدم:
هي خير لك إن شاء الله، وسوف تستطيع أن تتعامل على أساسها. فكر في كل ما كنت تخاف منه في السابق، ولم يحدث. وفيما خفت منه، وحدث، فانزعجت قليلاً ثم طورت خطة جديدة للتعامل معه. كل شيء يمكن التعامل معه بإذن الله، وفي هذا يكمن تطور مهاراتك.
لم يضعك الله عز، وجل على هذه الأرض لتقلق، وتخاف، وتفسد عليك حياتك. بل أنت تنمو، وتتعلم، وتتحرك باتجاه غايات كبرى تنفع بها نفسك، وتنفع العباد، والبلاد من حولك. كل لحظة تقضيها في طلب العلم، يجب أن تكون بنية تحقيق الغايات الكُبرى لا تحقيق أهداف دونيوية محدودة ستأتي إليك كنتائج في طريقك لتحقيق الغايات الكُبرى.
فبينما أنت مشغول بزراعة الشجرة، ابتسم لأنك تتخيل الغابة الكبيرة مترامية الأطراف. وأنت تحاول تحريك زورقك الصغير بين الأمواج، لا تبعد عينيك عن الوجهة التي تنتظرك إن شاء الله.
وأنا أكتب هذه المدونة، وجدت منشورًا لأستاذي د. هاني البنا مؤسسة مؤسسة الإغاثة الإسلامية، ووجدت أن معانيها تدعم ما شاركته معكم حول أهمية ما يفعله كلٌ منكم، فأحببت أن أشاركها معكم. أرجو أن يستشعر كلٌ منكم أهمية مجاله، وأهمية الدور الذي يلعبه مهما كان صغيرًا، أو يبدو غير حيوي.