الإنسان يبحث عن السعادة، ويعتقد أن سبيله إليها هو الحرية. فلنلق نظرة على مفهومي السعادة، والحرية باعتبارهما أهم ما يطلبه الإنسان في الحياة. الحرية تعني أن تفعل ما تريد، وأن تحصل على ما تريد، والهدف أن تكون سعيدًا.
ماذا يحدث عندما تفعل ما تريد بحرية؟
إذا فعل الإنسان ما يريد، وما يشاء، ستحدث مشاكل، ولا بد. إذا أكل كل ما تشتهيه نفسه بالكميات التي يريدها بحرية، أصابته الأمراض، والسمنة. مما يُفقده حرية أن يأكل ما يريد بأمر من الطبيب، وقد يُفقده حرية الحركة. بالتالي، يصبح حزينًا تعيسًا. وإذا أطلق العنان لأهوائه، وشهواته بحرية، تفشى الزنا، والإجهاض، والإدمان، وسادت الجريمة، والأمراض، واختلت الحقوق، والواجبات في المجتمع. فيفقد الإنسان حريته إذا تعرّض للسجن بسبب الجريمة مثلاً، ويفقد حريته إذا أصابته أمراض عديدة أقعدته، وقيّدت نشاطه فيصبح تهيسًا أيضًا. وإذا رفض الإنسانُ العملَ لأنه يقيد حريته، تعرّض للإفلاس، وفقد حرية أن يشتري ما يشاء، أو أن يفعل ما يشاء!
كلما استسلم الإنسان لكل ما يريحه، وتصرف بحرية من أجب أن يكون سعيدًا، تعرّض لآثار مدمرة على نفسه، وعلى جسده، وعلى مجتمعه. إذا فعّل المرء الحرية، وفعل ما يريد، سيفقد حريته، ولن يكون سعيدًا، ويذهب حلم السعادة في مهب رياح الشهوات والأهواء.
كيف يحصل الإنسان على ما يريد؟
الشق الثاني من الحرية، هي في أن يحصل الإنسان على ما يريد وقتما يريد وكيفما يشاء. وفي الحياة، لكي يحصل الإنسان على ما يريد، ينبغي أن يعمل، ويجد، ويجتهد، ويمنع نفسه مما يعوق تقدمه، ويقهر رغباته، ويبذل التضحيات مضحيًا بما يريد الآن في سبيل تحقيق أهداف أبعد. أي أنه عليه أن يقيّد بعض حريته الآن، من أجل أن يصبح حرًا في المستقبل. فإذا أراد أن يحصل على النجاح في الدراسة مثلاً، يجب أن يتخلى عما يريده الآن من استمتاع مع الرفاق، ونوم، وراحة. فإذا اجتهد للحصول على ما يريد، فإنه ولابد سيتخلى عن “حرية أن يفعل ما يريد”. فهو لن يكون حرًا، وربما لن يكون سعيدًا حاليًا، ولكنه ربما يحقق السعادة لاحقًا كنتيجة لتقييده لحريته في السابق.
أما إذا لم يتخل الإنسان عن حريته في فعل ما يريد وقتما يريده، وإذا ما أطلق العنان لرغباته، فهو حتمًا لن يحصل على ما يريد ولن يكون حرًا، ولن يكون سعيدًا أيضًا.
ما نحتاجه هو التحكم والاطمئنان، وليس الحرية ولا السعادة
ما يحتاجه الإنسان إذًا هو “التحكم” في حياته، ولكنه ربما يختلط عليه الأمر فيعتقد أنه يريد الحرية. فهو يريد القدرة على أن يتحكم في حياته، وبيئته، و”السيطرة” عليها. هو يريد أن يكون “متحررًا” من المرض، ومن الفقر، ومن الضعف، ومن الاحتياج بشكل عام. وهذا التحرر يعني أنه متحكم في حياته، وبيئته صحيًا، وفكريًا، وماليًا، ووجدانيًا، واجتماعيًا. هو يريد أن يكون في مقعد قيادة حياته.
وهذا “التحكم” يتطلب منه أن يكون “متحكمًا في نفسه” لا “مطلقًا العنان” لها كما يمكن أن يتخيل وينخدع تحت شعار “الحرية، والسعادة“. لأنه إن أطلق العنان لنفسه، سينتهي به الأمر فاقدًا السيطرة على حياته، فلا يحقق لا الحرية، ولا السعادة كما تقدم. فالحرية في الحياة الدنيا لها عواقبها الوخيمة.
ستؤدي به القدرة على “التحكم” إلى الشعور بالاطمئنان، و”السلام“. فكلما ازدادت قدرته على “التحكم” في عالمه الداخلي من مشاعر، وأفكار، وقناعات، ومهارات، وعالمه الخارجي، كلما ازداد شعوره بالأمان والاطمئنان، و”السلام“. وكلما تحكم في تصرفاته، وقيّد رغباته، وأهواءه، استطاع أن يرتقي، ويتطور، ويجني المكاسب المادية، والمعنوية، ويصبح أكثر تحكمًا في حياته، وبيئته بإذن الله.
إذًا الإنسان يريد “التحكم” لا “الحرية“، ويريد “السلام والاطمئنان“، لا “السعادة“. توضيح القناعات حول هذه المفاهيم، يساعد الإنسان على تحديد وجهته.
لكل شيء قانون
إن الإنسان في هذا الشأن لا يخرج عن سنة الله ﷻ في جميع خلقه. فالكون تحكمه قوانين الفيزياء، والكيمياء، والأحياء العضوية. لا يمكن لكوكب أن يخرج عن مساره ليصبح حرًا. لا يمكن للشمس أن تقرر ألا تشرق أو ألا تغرب كي تكون حرة! لا يمكن للرياح أن تقرر التقاعد، والتوقف عن الهبوب. إذا حدث أيٍ من هذا، تحدث كوارث حقيقية. الإنسان كذلك. له إرادة لكنه جسدًا، ونفسًا أيضًا يخضع لقوانين. فإذا قرر مثلاً تعطيل قانون الجاذبية لأنه يحد من حركته، وعلى فرض أنه يستطيع أن يفعل ذلك، سوف تفسد حياته بالكامل، ولن يستطيع أن يطهو طعامه حتى لتطاير كل شيء بلا قانون.
كما أن الإنسان إذا أراد أن يعيش تحت الماء، لن يستطيع فعل ذلك إلا بتجهيز بيئة خاصة يحصل فيها على الهواء، ويتجنب أخطار ضغط الماء. ولم يخترع الإنسان كل شيء مكّنه من الغوص تحت الماء مثلاً بالراحة، والحرية. بل فعله بإذن الله ﷻ بكثير من العناء، والتعب، والبحث، والسهر، وإجبار النفس على المثابرة، والتخلي عن كثير من الحريات. وهو يدرك تمامًا قوانين الجسد التي تحد من حريته. لكنه يأتي عند قوانين النفس، وينكرها، ويريد أن يطلق العنان لأهوائها، ورغباتها. بل ويعادي، ويحارب كل من أمره بطاعة، أو نصحه تجاه تهذيب نفسه. لكن الحكومات تدرك تمامًا أهمية الحدّ من حريته، فتضع شتى القوانين لذلك. لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا قانون… فالكون كله خاضع لقوانين لا تساهل فيها.
الحرية والسعادة لا يجتمعان إلا في الجنة
أما الحرية الحقيقية، والسعادة الأبدية، فهي في دار أخرى غير محكومة بقوانين السبب، والنتيجة. هي في الجنة حيث لا عواقب سلبية لحرية الإنسان. فقط في الجنة سيكون لنا ما نشاء، وسوف نكون سعداء بإذن الله، وسنعيش السلام أيضًا بإذن الله، جعلنا الله ﷻ، وإياكم من أهل دار السلام. يقول تعالى:
ولن يقودنا إلى كل هذا إلا “التحكم” في النفس وتزكيتها وفق “الحق” وهو المنهج الإيماني الذي وضعه الله ﷻ لنا.
كل شيء يقود إليه سبحانه في النهاية
فأعلم وجهتك وغايتك الحقيقية كي لا تعيش حياتك باحثًا عن الحرية، وعن السعادة، فتفقدهما معًا. لا تقاتل من أجل “الحرية“، و”السعادة” بينما ما تريده حقًا هو “التحكم” و”السلام“. ومن أجل هذا التحكم، ستحتاج إلى مرجعية تتحكم في نفسك على أساسها. فعلى أي أساس ستقرر أنك تحتاج أن تمنع نفسك من شيء، أو أن تثابر على شيء؟ تحتاج لأن تكون لديك معايير “للحق، والباطل”. فهناك الكثير من “القرارات الأخلاقية” التي تحتاج لاتخاذها. كيف تحدد ما الذي يحكم التعاملات الاجتماعية، والديون، والزواج، والطلاق، والحضانة، والتبني، والميراث، والعلاقات بين الجنسين، والاجهاض، وكسب المال، وإنفاقه، وغيرها من الأمور؟ كل تلك الأمور إن أنت أطلقت فيها حريتك، وأهواءك، فسدت حياتك، وحياة من حولك وفقدت “التحكم“، و”الحرية“، و”السعادة“.
ولكي تديرها، ولا تفقد السيطرة، والتحكم، ستحتاج لمصدر ثابت “للمعنى، والقيمة، في حياتك”. ستحتاج إلى مرجعية صواب، وخطأ، وحق، وباطل. وسيقودك ذلك إلى المصدر الوحيد الذي يمكنه امدادك بها عن طريق منهجية هداية متكاملة… ستحتاج إلى خالقك ﷻ. وستدرك أن في تخليك عن “حريتك“، وأنه في “عبوديتك له“، ستجد التحكم في حياتك، وسيمنحك هذا “الرضا” عن حياتك بإذن الله. “ستسلّم” له طواعيةً وستعبده متخذًا من هداه منهجية لحياتك الدنيا طمعًا في السعادة، والحرية في الحياة الحقيقية في الجنة بإذن الله.